التربية الوقائية في الإسلام ( المقالة الأولى )

img

      يُعد القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة المصادر الرئيسة للتربية الوقائية فاشتملا علي منهج وقائي يقوم علي غرس العقيدة الإسلامية في نفوس الأفراد وصيانة هذه العقيدة بصورة دائمة ومستمرة , ويصاحب غرس العقيدة وضع التشريعات التي تربي الفرد المسلم بصورة متوازنة وهذه التشريعات تكون بشكل قواعد كلية يندرج تحتها جزيئات.

   والتربية الوقائية كونها مستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة يعني أن  لها صبغة ربانية قال تعالي :  { صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ }  ( سورة البقرة – آية 138 ) , أي أن هذا الدين الذي أوحاه علي نبيه محمد صلي الله عليه وسلم هو الفطرة التي فطر الناس عليها , وهو يخالط قلوب المؤمنين كما تخالط مادة الصباغة الثوب فلا تزول عنه ,  فالربانية هي النسب التي يعتز بها المسلم والتي ينبغي أن تربي عليها النفوس حتي تعود إلي جادة الصواب بعد أن تغرقت بها السبل , وأصبح الاعتزاز بالأحساب والأنساب والمجاهرة بالمبادئ الزائفة .

     ويُشار إلى التربية الوقائية في الإسلام , بأنها مجموعة القواعد الأساسية التي وضعها الإسلام للتحصن من الأمراض المادية والمعنوية , والتي من شأنها أن تكسب الإنسان مناعة ذاتية ضد الأمراض المختلفة , أو هي تلك الإجراءات والوسائل التربوية التي وضعها الإسلام من اجل صيانة وحفظ المجتمع من كل الأمراض الحسية والمعنوية ليكن مجتمعاً طاهراً بعيداً عن كل مواطن الفساد والانحلال الأخلاقي .

والتربية الوقائية في الإسلام تهدف إلي :

1- تربية الإنسان المسلم علي العقيدة الإسلامية الصحيحة بعيداً عن الشرك والكفر والنفاق و ارتكاب المعاصي والذنوب وعلي التمييز بين الحق والباطل , قال تعالي : { فَذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ  فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ  فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ } ( سورة يونس – آية 32)

2- تحقيق الصحة الجسمية للإنسان والمحافظة علي الجسد أحد الأهداف الرئيسة للإسلام , لذا حرم الله علي الإنسان كل ما يؤذي ويؤثر بالجسد .

3- تحقيق الصحة النفسية للإنسان لذا جاء الاهتمام بالنفس ومعالجة مشكلاتها والتركيز علي مجموعة من الأساليب التي تحقق الصحة النفسية .

 قال تعالي : { الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ  أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ } ( سورة الرعد – آية 28 )

3- المحافظة علي عقل الإنسان , لذا حذر الإسلام من كل ما يقلل من قيمة العقل مثل تعاطي المخدرات وشرب الخمر , وبين الإسلام أن انحراف الإنسان عن جادة الصواب

يسبب إهمال العقل قال تعالي : {  وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ }”         ( سورة الملك – آية 10 ) 

التربية الوقائية في الإسلام ( المقالة الثانية )

       التربية الوقائية تهتم بالجوانب المادية والروحية , فذكُر اللهُ سبحانه وتعالي , وأداء العبادات , وقراءة القرآن جوانب روحية للتربية الوقائية , أما استخدام الماء للطهارة والحث علي الأكل من الطيبات جوانب مادية في التربية الوقائية قال تعالي : {  قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ  } ( سورة الأعراف – آية 32 )  .

       ويعجب المرء لدقة التربية الإسلامية ومنها التربية الوقائية , فهي تتناول كل جزئية في الفرد وكأنها متفرغة لها وحدها , ولا يوجد نظام آخر يعالج قضايا الإنسان بهذه الدقة والشمول , فثمة من آمن بالجانب المحسوس المادي وأغفل الروح  وآخر من آمن بالجانب الروحي وأغفل المادي , وكلا الوجهين ابتعاد عن جادة الصواب .

      و الشائع والمعروف في عالم الطب أن المرض يسبق العلاج وأن الوقاية تسبق المرض ولهذا قالوا ( درهم وقاية خير من قنطار علاج ) والطب الوقائي في الإسلام يقوم على قواعد أساسية من التحصن من شأنها أن تكسب الجسم مناعة ذاتية تقيه غوائل العدوى والأمراض الوافدة وميكروباتها وفيروساتها المختلفة , و يشير إلي قول  ابن قيم الجوزية : ( وقد اتفق الأطباء على أنه متى أمكن التداوي بالغذاء لا يعدل عنه إلى الدواء , وقالوا : قدر على دفعه بالأغذية والحمية لم يحاول دفعه بالأدوية , وقالوا : ولا ينبغي للطبيب أن يولع بسقي الأدوية فإن الدواء إذا لم يجد في البدن داء يحلله,  أو وجد داء لا يوافقه , أو وجد ما يوافقه فزادت كميته عليه أو كيفيته تشبث بالصحة وعبث بها , وذكر ما جاء في ” كتاب مع  الطب في القرآن ”      ( الفرق كبير  بين أن نترك الإنسان ليصاب بالمرض ثم نسعى لمعالجته وبين أن نقية من المرض أصلاً ) .

      أجل إن معالجة مريض  التدرن ( السل ) التي تستمر وسطياً حوالي سنة ونصف تكلف المريض والدولة أموالاً وإمكانات كبيرة إضافة لما يعانيه المريض من العذاب والخطر بينما لا تتطلب وقايته من التدرن سوى لقاح يكلف بضعة قروش , ولقد أدرك الحكماء القدامى هذا الفرق وكذلك الأمم الحديثة فأولوا الجوانب الوقائية الاهتمام الأول في كل التدابير الصحية وإنه ليأخذ الناظر في كتاب الله العجب العجاب حينما يجده قد أولى النواحي الوقائية الأهمية الكبرى وأرسى دعائم الطب الوقائي في الوقت الذي لم يهمل معه النواحي العلاجية ولكن لا عجب في ذلك فالقرآن ذكر رب العالمين أنزله على الناس ليأخذ بناصيتهم إلى الطريق القويم طريق الصحة والقوة والمجد ,

 قال تعالي : { وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ  وَأَحْسِنُوا  إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ }  ( سورة البقرة- آية 195 )

بين لهم الطريق التي تؤدى بهم إلى الهلاك وحذرهم أشد التحذير منها وتوعد من يسلكها أشد الوعيد رحمة به وبمجتمعه كما بين لهم السبل التي تسمو بهم جسدياً ونفسياً نحو الصحة والسلامة كل ذلك في إطار علمي لم ولن يشهد التاريخ له مثيلاً  .

مظاهر التربية الوقائية في الإسلام  ( المقالة الثالثة )

– الاهتمام بالطهارة والنظافة الشخصية والمجتمعية وإعلانه أن ( النظافة من الإيمان(

– الحض على الأخذ بأسباب القوة الجسدية بشتى الرياضات ( المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ).

– إدراك قيمة العافية والمحافظة  عليها قال عبد الرحمن بن أبى ليلى : عن أبى الدرداء: ( قلت : يا رسول الله لأن أعافي فأشكر أحب من أن أبتلى فأصبر فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : ورسول الله يحب معك العافية ) .

– التحذير من إتيان الخبائث المدمرة للصحة في المأكل والمشرب والمنكح وغيرها التي تورث العلل والأسقام وتورد الأمم موارد التهلكة كوباء ( الإيدز )  الذي يقض مضاجع العالم اليوم لكونه يتسبب بفقدان المناعة المكتسبة ويجعل الإنسان المصاب عرضة لكل الآفات والموت السريع المحقق , و يكفي هنا أن نشير إلى أن السبب الرئيسي لهذا المرض هو الشذوذ الجنسي ( اللواط ) .

مجالات التربية الوقائية في ضوء الشريعة الإسلامية .

1- التدخين وتعاطي المخدرات :

قال تعالي: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } ( سورة المائدة- آية 90 ) 

, فالخمر كل شراب مسكر, والميسر والقمار بالقداح والأزلام قطع رقيقة من الخشب بهيئة السهام كانوا يستسقمون عليها بالجاهلية , فالآية الكريمة توجه المؤمنين إلي ترك المسكرات , وبالقياس فإن المخدر مادة تسبب في الإنسان والحيوان فقدان الوعي بدرجات متفاوتة كالحشيش والأفيون وبالتالي فتأثيرها علي الجسم مثل تأثير الخمر بل أشد .

       والآثار المترتبة علي ظاهرة التعاطي والإدمان متعددة الجوانب , إذ أنها تؤثر علي الحالة الجسمية والعقلية والنفسية , وعلي العلاقات الاجتماعية والاقتصادية للفرد , وبالتالي فإن الإنتاج بصفة عامة لابد أن يتأثر من الناحيتين الكمية والكيفية , هذا بالإضافة إلي ما يخلفه تعاطي الأفراد لبعض أنواع المواد المخدرة إلي انتشار الجريمة بشتي صورها في المجتمع

     وفي دراسة تحليلية عن قيم أبناء المدمنين جاءت نتائج الدراسة موضحة لتدهور القيم الأمنية لأبناء المدمنين , حيث تدهورت قيم الألفة والطمأنينة والاستقرار والهدوء الفكري والأمانة وحفظ أسرار الغير والمجتمع , كما أسفرت النتائج عن تدهور  مجموعة القيم الدينية والخلقية لهم داخل الأسرة .

    وفي ضوء ذلك يمكن القول بأن للإدمان آثار سيئة علي كل من الفرد والمجتمع , علي الفرد من حيث صحته العامة ووضعه الاجتماعي والاقتصادي , وأيضاً من حيث عدم قدرته علي تربية أبنائه ورعايتهم , فأسرة المدمن غالباً ما يسودها التوتر والخلافات والخوف والقلق وينعكس ذلك بدوره علي الأبناء  .

2- الأمراض المعدية والمتوطنة وأمراض العصر ( المقالة الرابعة )

     الإسلام دين نظافة وطهارة يجمع بين نظافة الظاهر والباطن ، ففي مجال الباطن دعا إلى الصدق والإيمان وحب الخير للناس ونهى عن الحسد والحقد , وفي مجال الطهارة الظاهرة أوجب الطهارة للصلاة فالمسلم يتطهر للصلاة خمس مرات في اليوم ، وإذا أصابته جنابة وجب عليه الغُسل ، ويستحب له الغُسل أسبوعيا على أبعد تقدير, إذ أن الإسلام يدعو إلى النظافة في كل وقت حسب النية والقصد والحاجة ، وقد جاء العلم الحديث ليثبت سبق الإسلام إلى هذا حيث أشارت المراجع الطبية  إلي أن الجلد يعتبر مخزنا لنسبة عالية من البكتريا والفطريات، ويكثر معظمها على البشرة وجذور الشعر، وهذه البكتريا والفطريات في تكاثر مستمر, والغسل والوضوء خير مزيل لهذه الكائنات, إذ ينظف الغسل جميع جلد الإنسان .

     كما وجه الإسلام المسلم للمحافظة علي صحته وجسمه , فالجسد الصحيح المعافى قادر علي أداء واجباته نحو الله سبحانه وتعالي والمجتمع , والجسد السقيم العليل غير قادر علي أداء تلك الواجبات , وعليه فقد بين لنا  الإسلام طرائق وأساليب المحافظة علي صحة الجسد ووقايته من الأمراض والعلل المختلفة , ومن أهم هذه الطرائق والأساليب

استخدام الماء في نظافة وطهارة الجسد :

قال تعالي: {  إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ  } ( سورة الأنفال – آية 11 ), ويقول المراغي أن المطر فيه أربعة فوائد تظهر حسياً بالنظافة التي تنشط الأعضاء , وتدخل السرور علي النفس , والغُسل من الجنابة والوضوء من الحدث الأصغر وكذلك إذهاب رجس الشيطان ووسوسته والربط علي القلو.وقال تعالي : { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ  يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ }  ( سورة البقرة – آية 222 ) ,وموطن الشاهد في الآية الكريمة ” فإذا تطهرن ” فأشار القرطبي إلي أن الطهارة تكون بالماء , وأن الطهر الذي يجل به جماع الحائض هو الطهر بالماء كما يتطهر الجنب  .

من ناحية أخري تعاني المجتمعات العربية من انتشار الأمراض الجنسية , وسبب ذلك ابتعاد الإنسان عن الفطرة السليمة في ممارسة الجنس عن طريق الزواج الذي يعف النفس فنجد المثلية الجنسية والزنا والشذوذ الجنسي بكافة صوره وأشكاله , وتعد الأمراض الجنسية علي رأس قائمة الأمراض المعدية , حيث يُصاب بها الملايين من البشر في كل عام , وللتربية الإسلامية السبق في الوقاية من الأمراض الجنسية مثل الإيدز , عن طريق حث المسلم علي الالتزام بتعليم الإسلام بما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة , قال تعالي : {  وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً  إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } ( سورة الروم – آية 21 )  , فالسبيل الأمثل في الوقاية من الأمراض الجنسية هو إتباع شرع الله سبحانه وتعالي بالزواج والتزام الآداب والأخلاق للرجل والمرأة علي حد سواء

 وقال تعالي : { وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا  إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا }  ( سورة الإسراء – آية 32 )  , إن الزنا من أكبر أسباب الفساد , وأكبر البواعث علي الفجور , ويسبب أمراضاً عديدة أبرزها في العصر الحديث مرض نقص المناعة الطبيعية المكتسبة ( الإيدز ) .

الوقاية من فيروس كورونا من منظور إسلامي ( المقالة الخامسة )

لا يخلو عصر من الأوبئة والأمراض التي تتنوع أشكالها وطرق انتشارها، وتختلف الأمم في سبل مواجهتها، ولكن المنهج الإسلامي، الذي عمّت أطروحاته مناحي الحياة كافة، يتميز بأنه فصل الخطاب فيما يتناوله من قضايا ومشكلات، وذلك لسببين أحدهما أنه يستند إلى الوحيين الكتاب والسنة، والثاني قاعدته العامة في إسناد الأمور إلى أهل الاختصاص؛ {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ } ( سورة النحل – آية 43 )

ومع انتشار فيروس كورونا، والتوجسات التي تداهم الكوكب بأثره، بماذا واجه الإسلام مثل هذه الأوبئة ؟ وهل ثمة إرشادات حث عليها الإسلام للسيطرة عليها ؟ وهل هناك نصوص مباشرة تتحدث عن مثل هذه الوقائع ؟

بداية دعونا نسلِّم بأن مثل هذا البلاء آية سماوية تهدف إلى التذكير والعظة؛ «وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا»، يخاف العاصي فيتوب ويخاف المؤمن فيزاد إيمانه ويقينه..

جاء في «صحيح مسلم» من حديث عامر بن سعد أن رجلا سأل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عن الطاعون، فقال أسامة بن زيد رضي الله عنهما أنا أخبرك عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” هو عذاب أو رجز أرسله الله على طائفة من بني إسرائيل أو ناس كانوا قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوها عليه، وإذا دخلها عليكم فلا تخرجوا منها فراراً .

وثبت عنه صلى الله عليه وسلم في البخاري ومسلم أنه قال: «لا يورد ممرض على مصح» من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.

تفرق المعاجم العربية بين الطاعون والوباء، وخلاصة الفرق- والذي ذكره ابن القيم الجوزية في زاد المعاد- أن بينهما عمومًا وخصوصًا؛ فكل طاعون وباء، وليس كل وباء طاعون، وكذلك الأمراض العامة أعم من الطاعون؛ فإنه واحد منها.

إنّ العزل والحجر الصحي قاعدتان وضعهما الرّسول صلّى الله عليه وسلّم لمنع انتشار الأوبئة. وقد كانت الأوبئة الفتّاكة والأمراض المعدية في العالم الإسلامي أقلّ بكثير منها في أوروبا في الفترة التاريخية نفسها، بل إنّ موجات الطاعون الّتي كانت تقضي على ربع سكان أوروبا كانت تنكسر حدّتها عند حدود العالم الإسلامي. لأنّ الإسلام تفرَّد بوضع أسس الطب الوقائي الّتي أثبت العلم الحديث إعجازها، وزعم الغرب أنّه مكتشفها، بينما هي متأصّلة في جذور العقيدة الإسلامية.

والإسلام ينطلق في مسألة العلاج والتّداوي والجوانب الصحية بصورة عامة من منطلق أنّ الحفاظ على النّفس والبدن والعقل والفكر من الضّروريات الأساسية الّتي جاءت الشّريعة لأجل الحفاظ عليها، وحمايتها وتنميتها، ولذلك أمر الله تعالى رسوله الكريم صلّى الله عليه وسلّم بالتّداوي، فقال: { وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ  وَأَحْسِنُوا  إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ }.(سورة البقرة – أية 195)

وتزخر السُّنّة النّبويّة بالعديد من الأحاديث الشّريفة، الّتي وردت بها أدعية يلجأ إليها المسلمون للوقاية من الأمراض والأوبئة، والتضرّع إلى الله بها للنّجاة من الإصابة بها، كقول النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: ”اللّهمّ إنّي أعوذ بك من البرص والجنون والجُذام ومن سيِّئ الأسقام”.

وبذلك يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وضع أهم قاعدة في الوقاية من الأوبئة والحد من انتشارها، فكانت كلماته تأسيسًا لفكرة «الحجر الصحي» التي أوصت بها كل المنظمات والهيئات الصحية المعاصرة.. وهذا هو المتبع الآن في مواجهة وباء العصر المعروف بـ«فيروس كورونا».

ويعدد ابن القيم الأسباب والحكم التي من أجلها منع الشرع الدخول إلى الأرض التي قد وقع بها الوباء أو الطاعون، منها:

1-تجنب الأسباب المؤذية، والبعد منها.

2- أن لا يستنشقوا الهواء الذي قد عفن وفسد فيصيبهم المرض.

3- أن لا يجاوروا المرضى الذين قد مرضوا بذلك، فيحصل لهم بمجاورتهم من جنس أمراضهم.

وكذلك عدد العلماء الأسباب والحكم التي من أجلها منع الشرع الخروج من البلد الذي فيه الوباء، منها:

1- حمل النفوس على الثقة بالله، والتوكل عليه، والصبر على أقضيته والرضا بها

2-الحرص على عدم انتشار العدوى في البلاد غير الموبوءة.

3-  أن الناس لو تواردوا على الخروج لصار من عجز عنه – بالمرض المذكور أو بغيره– ضائع المصلحة لفقد من يتعهده حياً وميتاً.

وفي النهاية يبقى الأمر فتنةً؛ يدعو المؤمن فيها بالثبات وحسن التوكل على لله والصبر على قضائه وقدره، وتحصر غير المؤمن في مسلكين يقيسان عقله وقلبه؛ فهو إما أن تزجره آيات الله ووعيده، فيعود تائبًا إلى ربه ومولاه، وإمَّا أن ينازع ربه رداء الكبرياء ويركن إلى الحجج والتبريرات المادية ويفوّت على نفسه ذلك النذير، ولكنه الشقاء الذي لا يبرح قلوب الجاحدين؛ {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث  ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ }  ( سورة الأعراف – آية 176 )

التغذية الوقائية ( المقالة السادسة )

      وجه الإسلام المسلم إلي تناول الطيبات من الطعام والشراب والابتعاد  كلياً عن الخبائث من الأطعمة والأشربة , وفيما يلي تفصيل موجز حول اهتمام الإسلام بالأطعمة والأشربة كوقاية الإنسان من الأمراض.

حرم الله سبحانه وتعالي مجموعة من الأطعمة للوقاية من إصابة الإنسان بالأمراض المختلفة فقد حرم الميتة والدم , ولحم الخنزير , والمختنقة , والموقوذة , والمتردية , والنطيحة ,  فقد قال الله تعالي : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ  مَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ  }  ( سورة المائدة – آية 3 )  , فالميتة ما فارق الروح من غير زكاة شرعية , وأتفق العلماء أن الدم حرام نجس لا يؤكل ولا ينتفع به , وكذلك أجمعت الأمة علي تحريم لحم وشحم الخنزير , والمختنقة وهي التي ماتت بسبب حبس النفس سواء فعل بها ذلك أدمي أم لا , أما الموقوذة فهي التي تُضرب بحجرٍ أو عصا حتي تموت من غير تزكية , والمتردية هي التي تروي إلي الأسفل , أما النطيحة فهي الشاة التي نطحتها أخري , والنصب حجر كان ينصب فيعبد وتصب عليه دماء الذبائح , فإذا ما تناول الإنسان الميتة فإنه يصاب بالمغص والقيء والإسهال والإغماء , وقد أكد العلماء أن هناك أكثر من مائة مرض تنتقل من الحيوان إلي الإنسان من خلال تناول اللحوم الميتة .

          ولحم الخنزير الذي حُرم تحريماً قاطعاً في الشريعة الإسلامية , كان تحريمه لحكم عدة منها ما أكدته الدراسات الحديثة بأن الخنزير يصاب بأكثر من 450 مرض أكثرها وبائي ويقوم ينقل أكثر من 57 مرض مهلك للإنسان , ويسبب لحمه وشحمه تليف الكبد وتصلب الشرايين وضعف الذاكرة .

وقد أشار القرآن الكريم والسنة المطهرة إلي تناول الطعام والشراب الطيب , قال تعالي { يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا  إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ } ( سورة الأعراف – آية 31 ) , فالله سبحانه وتعالي يخاطب بني آدم ليتمتعوا بالطيبات من الطعام والشراب دون إسراف , ويقول صلي الله عليه وسلم في الحديث الشريف ” ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه , حسب ابن أدم لقيمات يقمن صلبه , فإن كان لا محالة فثلث لطعامه فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه ” رواه الترمذي  .

      مما سبق يتبين أن التربية الوقائية ليست أمراً مستحدثاً , وإنما لها أصول في الشريعة الإسلامية , ولذلك فقد استفاد الباحث من ذلك بتضمين البرنامج المقترح علي العديد من الآيات القرآنية , والأحاديث النبوية الشريفة التي تحث الفرد علي إتباع السلوكيات الصحية السليمة لوقايته من الأمراض الظاهرة والباطنة.

الجوانب التربوية التي تحققها التربية الوقائية  :

تصنف أهداف التربية الوقائية إلي قسمين أساسيين :

أولهما : يتعلق بالوعي الوقائي , حيث تسعي التريبة الوقائية إلي جعل الفرد يدرك عواقب سلوكياته المختلفة تجاه المجتمع والآثار التي يمكن أن تكون لها انعكاسات سلبية علي حياته .

ثانيهما : يتعلق باكتساب المعرفة والقدرات , حيث تعمل التربية الوقائية علي تمكين الأفراد والجماعات من اكتساب المهارات العلمية التي تجعلهم قادرين وبشكل فعال علي تدارك المشكلات المجتمعية وتدبير الحلول المناسبة لها بوجه عام فيما يلي :

1- مساعدة الأفراد في اكتساب الوعي الوقائي تجاه عناصر المجتمع والمشكلات المرتبطة به .

2- إتاحة الفرص التعليمية للأفراد والجماعات , لإكساب المعارف والخبرات المتنوعة عن المجتمع , والتزود بفهم أساسي لمشكلاته , واكتساب المهارات لتحديد هذه المشكلات .

3- اكساب الأفراد والجماعات مجموعة من القيم والاتجاهات للاهتمام بالمجتمع وتحفيزهم علي المشاركة الإيجابية في حمايته وتحسينه واتخاذ القرارات المناسبة لحل مشكلاته .

     مما تقدم يتبين أن التربية الوقائية بأهدافها الفرعية تركز بالدرجة الأولي علي تشكيل الوعي الوقائي لدي الأفراد بحيث يكونوا قادرين علي التفاعل الإيجابي مع مجتمعاتهم , يتصدون لمشكلاتهم بسلوك واعٍ , وهذا يتطلب من التربية الوقائية أن تكون مستمرة مدي الحياة , وعلي أساس وحدة عناصرها وشموليتها , من خلال الربط العلمي بين أهمية الإحساس بأهمية مكونات المجتمع ومشكلاته من جهة , وتنمية القيم والمواقف الإيجايبة من أجل الحفاظ عليها من جهة أخري وذلك ضمن استراتيجية شاملة لمنطلقات التريبة الوقائية وأهدافها ووسائل تحقيقها في التعليم .

الكاتب khospita

khospita

مواضيع متعلقة

اترك رداً